محمد بن الطيب الباقلاني
221
إعجاز القرآن
وذلك : أنه جعل الخيال كالبرق لاشراقه في مسراه ، كما يقال : إنه يسرى ( 1 ) كنسيم الصبا ، فيطيب ما مر به ، كذلك يضئ ما مر حوله ، وينور ما مر به . وهذا غلو في الصنعة ، إلا أن ذكره " بطن / وجرة " حشو ، وفى ذكره خلل ، لان النور القليل يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها ، بخلاف ما يؤثر في غيرها ، فلم يكن من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة . وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط اللوى بين الدخول فحومل ، فتوضح فالمقراة " لم يقنع بذكر حد ، حتى حده بأربعة حدود ، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى - أن أخل بحد - أن يكون بيعه فاسدا أو شرطه باطلا ! ! فهذا باب . ثم إنما يذكر ( 2 ) الخيال بخفاء الأثر ، ودقة المطلب ، ولطف المسلك ، وهذا الذي ذكر يضاد هذا الوجه ، ويخالف ما وضع ( 3 ) عليه أصل الباب . ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول ، وابتدأ بذكر برق لمع من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة ، لان هذا القطع إن كان فعله كان خارجا به عن النظم المحمود ، ولم يكن مبدعا ، ثم كان ( 4 ) لا تكون فيه فائدة ، لان كل برق شعل ( 5 ) وتكرر ( 6 ) وقع الاهتداء به في الظلام ، وكان ( 7 ) لا يكون بما نظمه مفيدا ولا متقدما . / وهو على ما كان من مقصده فهو ذو لفظ محمود ، ومعنى مستجلب ( 8 ) غير مقصود ، ويعلم بمثله أنه طلب العبارات ، وتعليق القول بالإشارات . وهذا من الشعر الحسن ( 9 ) ، الذي يحلو لفظه ، وتقل فوائده ، كقول القائل ( 10 ) : ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسح بالأركان من هو ماسح
--> ( 1 ) م : " يقال سرى كنسيم " ( 2 ) م : " ثم إنا نذكر " ( 3 ) س ، ك : " ما يوضع " ( 4 ) ا : " ثم كان لا يكون بما نظمه مفيدا . . . " ( 5 ) م : " سمل " ( 6 ) ب : " وتكوى " . ( 7 ) م : " فكان " ( 8 ) كذا في م ، ا . وفى س : " مستحب . " ك : " مستجلب " ( 9 ) كذا في م ، ا وفى س ، ك : " من الشعر الجنس الذي " ( 10 ) هو كثير كما في ديوانه ص 79 وزهر الآداب 2 / 66 وقد ورد في أمالي الشريف المرتضى 2 / 110 " أخبرنا أبو عبيد الله : محمد بن عمران المرزباني قال : أنشدني محمد بن أحمد الكاتب قال : أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب ، عن ابن الاعرابي للمضرب ، وهو عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمة : . . . فلما قضينا من منى . . . " وانظر معاهد التنصيص 2 / 134 وقد ورد هذا الشعر غير منسوب في نقد الشعر ص 10 والخصائص ص 26 ، 225 ونوادر القالي ص 166 والصناعتين ص 42 ومصارع العشاق ص 369 وأسرار البلاغة ص 16 - 18 والشعر والشعراء 1 / 11 ومعجم البلدان 8 / 159 ونظام الغريب ص 136